الشيخ عبد الغني النابلسي
65
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الحقائق كلّها وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين الّذي به يكون النّظر وهو المعبّر عنه بالبصر . فإنّه به نظر الحقّ تعالى إلى خلقه فرحمهم . فهو الإنسان الحادث الأزليّ والنّشؤ الدّائم الأبديّ ، والكلمة الفاصلة الجامعة . فتمّ العالم بوجوده . ( وهذا ) يعني جمع الإنسانية الكبرى والصغرى لجميع ما تقتضيه الطبيعة الكل من قوابل العالم كله أعلاه وأسفله ، وكذا كل ما كان من هذا القبيل من علوم المعرفة ( لا يعرفه ) معرفة تامة لما هو عليه في حقيقة ثبوته ( عقل ) كامل ( بطريق نظر فكري ) إذ النظر الفكري يثبت في العقل حقيقة الشيء تابعة لما يقتضيه ذلك العقل من القوّة الخيالية لا تابعة لما عليه ذلك الشيء في نفسه ، ولم يقل لا يعرفه عقل مطلقا ، إذ العقل في إدراكه للعلوم له طريقان : طريق النظر الفكري وهو طريق خطئه في الغالب ، وطريق قبوله ما يلقى إليه بالفيض الرباني بعد وزنه بالميزان الشرعي ونقده بمحك الكتاب والسنة إذا كان مؤيدا بها معرفة وإتقانا . وهذا طريق صوابه دائما ، وقد أشار إلى الثاني بقوله : ( بل هذا الفن ) الذي هو فن المعارف الإلهية والعلوم الربانية بالحقائق الغيبية والشهودية ( من الإدراك ) الإنساني ( لا يكون ) ، أي لا يوجد دائما ( إلا عن كشف ) بتكميل قصور الإدراك حتى يجد الأمر ظاهرا على ما هو عليه ، غير أن الإدراك كان قاصرا عنه فقوي في معرفته . ( إلهي ) ، أي منسوب إلى الإله ، وهو الكشف الصحيح المؤيد بالكتاب والسنة كما ذكرنا ( منه ) ، أي من ذلك الكشف الإلهي ( يعرف ما ) ، أي : أي شيء ( أصل صور العالم ) المعقولة والمحسوسة ( القابلة لأرواحه ) المختلفة الملكية والحيوانية والنباتية وغير ذلك ، فإن الأرواح كلها متعينة أولا في حقيقة القلم الأعلى الذي هو النور الأوّل ، مثل تعين الحروف الحاملة للمعاني في المداد المحمول في رأس القلم ، ثم تفصلت منه بكتابتها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض ، مثل تفصيل الحروف المكتوبة في قرطاس بماء البصل ، حيث لا يستبين على القرطاس من كتابتها شيء منها . وهذه الحروف هي صور المعاني والمعاني أرواحها المخلوقة قبلها ، أي المعينة لها وتلك المعاني موجودة في هذه الحروف ، ولكن وجود دلالة وتدبير لهذه